علي بن يوسف القفطي
203
إنباه الرواة على أنباه النحاة
وحكى أبو الحسن العروضيّ قال : اجتمعت أنا وأبو بكر بن الأنباريّ عند الراضي ( 1 ) باللَّه على الطعام - وقد كان الطباخ عرف ما يأكل أبو بكر ، وكان يشوى له قلَّية ( 2 ) يابسة - قال : فأكلنا نحن من أنواع الطعام وأطايبه ، وهو يعالج تلك الفليّة . ثم فرغنا فأتيناه بحلواء فلم يأكل منها ، وقام وقمنا إلى الخيش فنام بين يدي الخيش ونمنا نحن في خيش ينافس فيه ، ولم يشرب ماء إلى العصر . فلمّا كان العصر قال لغلام : الوظيفة ، فجاءه بماء من الحب ( 3 ) ، وترك الماء المزمّل بالثلج ، فغاظنى امره ، فصحت صيحة ، فأمر أمير المؤمنين بإحضارى وقال : ما قصتك ؟ فأخبرته وقلت : هذا يا أمير المؤمنين يحتاج أن يحال بينه وبين تدبير نفسه ؛ لأنه يقتلها ولا يحسن عشرتها . قال : فضحك وقال : له في هذا لذّة ، وقد جرت به العادة ، وصار إلفا فليس يضرّه . ثم قلت : يا أبا بكر ، لم تفعل هذا بنفسك ؟ قال : أبقى على حفظي . قلت له : قد أكثر الناس في حفظك فكم تحفظ ؟ قال : احفظ ثلاثة عشر صندوقا . قال محمد بن جعفر : وهذا ما لا يحقه لأحد من قبله ولا من بعده . وكان أحفظ الناس للغة والنحو والشعر وتفسير القرآن . وحدّث أنه كان يحفظ عشرين ومائة تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها . وقال أبو الحسن العروضي : كان يتردّد ابن الأنباري إلى أولاد الراضي باللَّه ، وكان يوما من الأيام قد سألته جارية عن شئ من تفسير الرؤيا ، فقال : أنا حافن ،
--> ( 1 ) هو أبو العباس أحمد بن المقتدر بن المعتضد ، المعروف بالراضى ، الخليفة العباسي بويع سنة 322 ، وتوفى سنة 329 . الفخري ص 246 . ( 2 ) القلية ، كغنية : مرقة تتخذ من لحوم الجزور وأكبادها . ( 3 ) الحب ، بضم الحاء : إناء معروف للماء ( عن الخفاجي ) .